Follow us on facebook

تدعمه Blogger.

Latest News

العالم العربي انتحارات.. ثورات.. وأشياء أخرى..



 

البداية كانت من تونس، حيث انتحر الشاب محمد البوعزيزي بإضرام النار في جسمه، "احتجاجا" على إهانته من قبل رجال الأمن، ثم لحقت تونسَ الجزائرُ ومصر وموريتانيا والمغرب والسعودية، فقد حاول عدد من الناس في هذه الدول الانتحار أيضا على الطريقة "البوعزيزية"، كنوع من الرفض والتمرد على الاستبداد والجور(!!)، وأيضا كصورة معبرة عن مدى الإذلال والتفقير الذي تعانيه مكونات عريضة في المجتمع المسلم.
وقبل أن نواصل هذا الحديث ذا الشجون، لابد من وقفة شرعية مع ذلك السلوك البشع، والتصرف الشنيع الذي يعد من أشد المنكرات، ومن أعظم الكبائر التي توبق مرتكبها في نار جهنم، فقد جاءت النصوص الشرعية بالوعيد الشديد والعقاب الأكيد لمن يعتدي على نفسه أو على غيره بالقتل، فهذا قول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (النساء:93)، هذا فيمن قتل غيره، فكيف بمن يقتل نفسه؟!! وقوله سبحانه ناهيا عباده عن قتل أنفسهم ومذكرا لهم بفضله ورحمته: {وَلاَ ‏تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء:29).


وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» (البخاري:3463)، فالرجل المذكور في الحديث كان به جرح، ولشدة المعاناة قتل نفسه، فحرم الله عليه الجنة، وفيه رد على من يسمون بالثوريين والمناضلين الذين دافعوا عن البوعزيزي، فقالوا إنه قتل نفسه بسبب المعاناة وقسوة الظروف الاجتماعية.


إننا أمام سيل جارف من السلوكيات الدخيلة الغريبة على حضارتنا، المرفوضة في ديننا، سيل يحمل كل ما في طريقه من الغثاء، ولا يصمد في وجهه إلا من كان على بينة من دينه، ودراية بما يحاك في الداخل والخارج من مؤامرات ترمي للنيل مما تبقى من تماسك بين أعضاء جسد الأمة المثخن بالجراح.


والمصيبة أن تتعالى أصوات هنا وهناك مرددة شعرا لواحد ممن قال عنهم الحق سبحانه أنهم في كل واد يهيمون..، فجعلوا قدَر الله يمضي وفق إرادة الشعب!! تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرا.


المصيبة أن نرى ونسمع من يلقب المنتحر التونسي بالشهيد!!، بل "منحوا" الشهادة أيضا لكل أولئك الذين لقوا حتفهم في المظاهرات والفوضى التي أعقبت إحراق البوعزيزي لنفسه في تونس ومصر..


فيا ليت شعري، هل قُتِل كل هؤلاء في حرب ضد بني صهيون حتى نحتسبهم عند الله شهداء؟ أم يا ترى سقطوا بنيران قوات الاحتلال بالعراق؟


مهلا أيها الثوار.. فما أبعد طريقتكم عن الإصلاح!

صحيح أن التونسيين والمصريين عانوا لعقود طويلة تحت نير العلمانية المتطرفة، فشعب تونس المسلم لم ينس سنوات الاستبداد والإهانة على يد الهالك بورقيبة، كما لن ينسى جور بن علي الذي أكمل المهمة القذرة لسلفه بمواصلة التضييق على كل من يحاول الالتزام بشعائر الدين الحنيف، والتمكين في المقابل لكل مظاهر التغريب والفساد والإفساد؛ فيما عانى المصريون سياسة تفقير وتجويع من نظام كاد أن يقول بلسان المقال -بعد أن قال بلسان الحال-: "أنا ومن بعدي الطوفان"، نظام حسني مبارك الذي امتص دماء شعبه حتى تحدثت بعض المصادر عن أن ثروته تقدر بـ 70 مليار دولار!! ثروة تكفي لسداد ديون دولة أو دولتين من أفقر الدول، فيما يقطن بعض المصريين بالمقابر!!! إنه الفقر الذي كاد أن يكون كفرا، إنه الضغط الذي يولد الانفجار، إنه البؤس والإهانة التي قد تصل بالمرء إلى درجة من اليأس تعمي بصيرته، وتجعل الدنيا سوداء مظلمة في عينيه، حتى لكأنها ليس فيها موضع نقطة من الرحمة أو الخير.


لكن الصحيح أيضا والمؤكد قطعا أن تلك الدرجة من اليأس لا يمكن أن تجد لها طريقا إلى قلب عبد مؤمن بقضاء الله وقدره {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ} (الحجر:56)، وأن تلك الصورة القاتمة لهذه الحياة الدنيا يستحيل أن ترتسم في مخيلة من أيقن بوعد ربه وجزائه للصابرين {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10).


ولسنا هنا -حين نُذَكِّر بالصبر- ممن يعلق المصائب والمآسي على شماعة القضاء والقدر، حتى تنصرف الأنظار والأفهام عن ظلم الظالمين، ولا ممن يحزن على انهيار نظام فاسد أو يأسى على قوم فاسقين، لكننا نريد نهج سبيل المرسلين، وسلوك طريق المؤمنين في التغيير؛ فمتى كان الانتحار وسيلة للتعبير عن رفض الظلم؟ ومتى كانت المظاهرات -في منهج الأنبياء والمرسلين- سبيلا لإصلاح الأمم؟!


لقد سقط النظام التونسي، ثم تبعه نظيره المصري، فكثر اللغط وبرز السؤال الكبير: من التالي؟


لكن السؤال الأهم الذي غفل عنه أو إن شئت فقل تغافل عنه أكثر الناس، هو: ماذا بعد سقوط النظامين بتونس ومصر؟؟


بصيغة أخرى: هل بسقوطهما ينتهي الظلم والاستبداد ليحل محلهما العدل والرخاء؟ أم أننا أمام فوضى بكل ما تعنيه الكلمة؟!!


ألا يذكرنا ما حصل بما "بشرت" به عصابة المحافظين الجدد في الحكومة الأمريكية السابقة في ما سُمِّي بنظرية "الفوضى الخلاقة"؟


ثم إن إطلالة سريعة على قائمة أسماء متزعمي الثورتين تكفي لمعرفة نتيجة هذا الحراك الشعبي غير المنضبط بضوابط الشرع، فقادة الثورتين هم أنصار الدولة المدنية من علمانيين وليبراليين وشيوعيين، وكل ناعق بقرارات الأمم المتحدة ومواثيق حقوق الإنسان بنكهة غربية، أما حزب النهضة التونسي وتنظيم الإخوان المصري فما نراهما إلا سيلدغان من نفس الجحر مرة أخرى..


أثم إذا ما وقع آمنتم به؟؟
لقد أصبحنا في كل عام على موعد مع مفاجآت مزلزلة تهدد كياننا، وتعصف بقيمنا ومقومات حضارتنا، وما ذلك إلا شيء يسير من الحصاد المر الذي جنته الأمة من السياسات العلمانية التي تحارب ثوابت الدين، وتضيق على تجليات الهوية الإسلامية، وتعتم على مختلف مظاهر التدين لحساب ذلك المسخ الثقافي والنكوص الحضاري القادم من الغرب، تحت مسمى الحداثة والحريات الفردية، وما لم يضع من ولاهم الله أمور المسلمين حدا لهذا التردي الأخلاقي والانتكاس القيمي، وقبل ذلك كله الحسم مع كل الانحرافات العقدية، وانتهاك حرمة الدين، وامتهان كرامة الإنسان..، فإننا متجهون -لا محالة- نحو مزيد من الفتن والقلاقل، والسعيد من وُعظ بغيره، والعاقل من يفهم الدرس، ويتجنب الأخطاء التي أهلكت أقرانه..


إن ما حصل ويحصل من تغيرات يتداخل فيها ما هو ثقافي بما هو اقتصادي واجتماعي في المجتمعات الإسلامية، يدل على أن الأمة تشهد تسارعا واضحا باتجاه مزيد من تأزم الأوضاع على كافة المستويات، ولا شك أن المتابع لتلك التحولات يدرك يقينا مدى خطورة المرحلة التي نمر بها في السنوات الأخيرة، وذلك عين ما أخبر به الصادق المصدوق -عليه الصلاة والسلام- من فتن وأهوال ستحل بالأمة بعد أن تتنكب صراط ربها وتعرض عن منهجه القويم، والمُعَوَّل على الله سبحانه أن يرد بنا إلى دينه ردا جميلا، ثم على علماء الأمة الربانيين، الذين يصدعون بالحق ولا يخافون في تبليغه لومة لائم، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


PostHeaderIcon توصيف دقيق وتحليل عميق لواقع الأمة اليوم!!

PostHeaderIcon توصيات المؤتمر السلفي حول الأحداث الأخيرة بمصر

توصيات المؤتمر السلفي حول الأحداث الأخيرة بمصر



عقد شيوخ الدعوة السلفية بمصر مؤتمرا هاما بتاريخ: 5 ربيع الأول 1432هـ، الموافق لـ: 8 فبراير 2011، لمناقشة الأوضاع الراهنة بالبلد، وبيان الحكم الشرعي فيما يجري من أحداث وتطورات خطيرة تهدد سلامة وأمن الناس في أرواحهم وأرزاقهم؛ وقد خرج المؤتمرون بالتوصيات التالية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
1- التأكيد على هُويَّة مِصرَ الإسلاميةِ؛ كدَولةٍ إسلاميةٍ مرجعيةُ التشريع فيها إلى الشريعة الإسلامية، وكُلُّ ما يخالفها يُعَدُّ باطلاً، وهذه مسألة تُـحَتِّمُها عقيدةُ الأُمَّة وعَقْدُها الاجتماعيُّ، فضلاً عن دُستورها وتاريخِها عبر خمسة عشر قرنًا، ولن تَسمح الأُمَّةُ لبعض المتسلِّقين على أكتاف الجماهير -بل دمائهم- أن يُزايدوا عليها، ولن يَسمح بها الشعب ولا الجيش، ولا الأزهر ولا الجماعات والاتجاهات الإسلامية جميعُها، وهذا في الحقيقة هو الضمان الحقيقي لحماية غير المسلمين واستمرارِ السلام والتسامح في المجتمع.


2- المطالبة بتفعيل المادة الثانية مِن الدُّستور، ومراجعةِ كافَّة التشريعات المخالفةِ للشريعة، وصياغتِها مِن جديد بصورةٍ تُوافِق الشريعةَ؛ فإن الأُمَّةَ لم تَخترْ هذه المادةَ لتَبقى حَبيسةَ الأوراقِ لـمُدَّةِ أكثر مِن ثلاثين سنة! وهذا مِن شأنه أن يُزيلَ التناقضَ الواقعَ في التشريعات والقوانين، كما يرفع الإثمَ عن أجهزة الدَّولة المختلِفة في مخالفة شَرْع الله والحُكْمِ بغير ما أَنزل اللهُ، وهو أعظم سببٍ لحصول النِّـقَم والبلاءِ بالأُمَّة.


3- إلغاء قانون الطَّوارئ، ومنعُ الاستبداد والقَمع والتعذيب، والسَّجن والاعتقال دون محاكمة.


4- ضرورة إصلاح المؤسَّسة الأَمنية؛ فهو السبيل الوحيد لإعادة الثِّقة فيها عند الأُمَّة، وأَوَّلُ الخطوات: التخلص مِن العناصر الفاسدة التي يَثبت تَورُّطُها في الاعتداء على حُرُمات الناس وحَقِّهم في احترام آدميَّتِهم وكرامتِهم الإنسانية، وإعادةُ بناء هيكلها مِن جديد، وتدريبُ العناصر الحالية مِن خلال دوراتٍ تأهيلية في حسن معاملة الجماهير.


5- الإلغاء الفَوريُّ لسيطرة أفرادِ الحِزب الوطنيِّ على المؤسَّسة الإعلامية التي ما زالت تَسير على النَّمَط القديم، حتى بَعدَ أنْ صارت عَديمةَ المصداقية! واستبدالُ شخصياتٍ مقبولةٍ محترَمةٍ مِن الجماهير بها؛ تُحاوِل إعادةَ الثِّقةِ في المؤسَّسة الإعلامية، بدلاً مِن ترك الناس فريسةً للإعلام الـمُغرِضِ الـمُوَجَّهِ مِن الخارج، أو بأموالِ بعض رجال الأعمال.


6- الإفراج الفَوريُّ عن كُلِّ مَن سُجِنَ أو اعتُقِلَ بغير حق، وتعويضُ المتضرِّرينَ مِن الظُّلم الذي وَقع عليهم.


7- دعوة جموع المِصريين للتكافُل وتَفقُّدِ المحتاجينَ مِن الطبقة الكادحة التي تَئِنُّ تحتَ وَطْأةِ التدهور الاقتصاديِّ وتَعَطُّلِ سُوقِ عَمَلِها الذي تَـكتسِب به قُوتَها يومًا بيوم، وهو ما قد يُؤدِّي إلى تعريض سلامة المجتمَع وأَمْنِهِ إلى أعظم الأخطار.


8- نناشِد المراكزَ البَحْثيَّةَ النزيهةَ عَمَلَ دراسةٍ عاجلةٍ لإطلاق حملةٍ لجمع توقيعاتٍ مليونية للتأكيد على عدم المساس بالمادَّة الثانية مِن الدُّستور والمطالبةِ بتفعيلها؛ ليَعلمَ الجميعُ حقيقةَ مَوَازين القُوَى المؤَثِّرةِ في الشارع المِصريِّ.


9- دعوة الجميع حُكَّامًا ومحكومِينَ إلى التَّوبة الجَماعيةِ الصادقةِ إلى الله -تعالى-، وامتثالِ قولِه -سبحانه-: {إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد:11)، والتَّضَرُّعِ إليه ليَكشِفَ الغُمَّةَ والبلاءَ عن بلدنا الحبيب؛ قال -تعالى-: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} (الأنعام:43).
حَفِظَ اللهُ مِصرَ وأهلَها آمنةً مطْمئنةً رَخاءً وسائرَ بلاد المسلمين.


المصدر: موقع صوت السلف






PostHeaderIcon تطرف السلفية والعودة بالبلد إلى الوراء



PostHeaderIcon الدعوة السلفية.. وخفافيش الظلام



توصيف دقيق وتحليل عميق لواقع الأمة اليوم!!





"اقتضت حكمة الله العزيز الحكيم أن يأكل الظالم الباغي ويتمتع في خفارة(1) ذنوب المظلوم المبغي عليه؛ فذنوبه من أعظم أسباب الرحمة في حقِّ ظالمه(2)، كما أن المسؤول إذا رد السائل فهو في خفارة كذبه، ولو صدق السائل لما أفلح من ردَّه(3)، وكذلك السارق وقاطع الطريق في خفارة منع أصحاب الأموال حقوق الله فيها، ولو أَدَّوا ما لله عليهم فيها لحفظها الله عليهم(4).
وهذا -أيضاً- باب عظيم من حكمة الله، يطَّلع الناظر فيه على أسرار من أسرار التقدير، وتسليط العالَم بعضهم على بعض، وتمكين الجناة والبغاة(5)، فسبحان من له في كلِّ شيء حكمةٌ بالغة وآيةٌ باهرة؛ حتى إِنَّ الحيوانات العادِيَة على الناس في أموالهم وأرزاقهم وأبدانهم تعيش في خفارة ما كسبت أيديهم، ولولا ذلك لم يُسَلَّطْ عليهم منها شيء(6)..


(...) ويُحكى أن بعض أصحاب الماشية كان يشوب(7) اللبن ويبيعه على أنه خالص، فأرسل الله عليه سيلاً فذهب بالغنم، فجعل يعجب، فأُتِيَ في منامه، فقيل له: أتعجب من أخذ السيل غنمك؟! إنما هي تلك القطرات التي كنت تُشيب بها اللبن اجتمعت وصارت سيلاً(8).


فَقِسْ على هذه الحكاية ما تراه في نفسك وفي غيرك(9)، تعلم حينئذٍ أن الله قائم بالقسط، وأنه قائم على كل نفس بما كسبت، وأنه لا يظلم مثقال ذرة..


(...) وتأمَّل الحكمة في حبس الله الغيث عن عباده، وابتلائهم بالقحط إذا منعوا الزكاة وحرموا المساكين، كيف جوزوا على منع ما للمساكين قِبَلَهم من القوت بمنع الله مادة القوت والرزق وحبسها عنهم، فقال لهم بلسان الحال: مَنَعتم الحق فمُنِعْتُم الغيث، فهلا استنزلتموه ببذل ما لله قِبَلكم؟(10)


وتأمَّل حكمة الله -تعالى- في صرفه الهدى والإيمان عن قلوب الذين يصرفون الناس عنه، فصدَّهم عنه كما صدُّوا عباده؛ صدًّا بصد، ومنعاً بمنع(11).


وتأمَّل حكمته -تعالى- في محق أموال المرابين، وتسليط المتلفات عليها، كما فعلوا بأموال الناس ومحقوها عليهم وأتلفوها عليهم بالربا؛ جوزوا إتلافاً بإتلاف، فقلَّ أن ترى مرابياً إلا وآخرته إلى محق، وقلة وحاجة(12).


وتأمَّل حكمته -تعالى- في تسليط العدوِّ على العباد إذا جار قويُّهم على ضعيفهم، ولم يؤخذ للمظلوم حقُّه من ظالمه؛ كيف يُسَلّط عليهم من يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سواء، وهذه سنة الله -تعالى- منذ قامت الدنيا إلى أن تطوى الأرض ويعيدها كما بدأها(13).


وتأمَّل حكمته -تعالى- في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأنَّ أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم(14)؛ فإن استقاموا استقامت ملوكهم، وإن عدلوا عدلت عليهم، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم، وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك، وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق، وبخلوا بها عليهم(15)، وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم، أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه، وضَرَبت عليهم المكوس والوظائف(16) وكلُّ ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة، فعُمَّالهم ظهرت في صور أعمالهم(17)، وليس في الحكمة الإلهية أن يولَّى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم(18).


ولما كان الصدرُ الأولُ خيارَ القرون وأبرَّها كانت ولاتهم كذلك، فلما شابوا شيبت لهم الولاة(19).


فحكمة الله تأبى أن يولى علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز فضلاً عن مثل أبي بكر وعمر(20)، بل ولاتنا على قدرنا، وولاة من قبلنا على قدرهم، وكل من الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها(21)، ومن له فطنه إذا سافر بفكره في هذا الباب رأى الحكمة الإلهية سائرة في القضاء والقدر، ظاهرة وباطنة فيه كما في الخلق والأمر سواء".


العلامة الحافظ: ابن قيم الجوزية رحمه الله
"مفتاح دار السعادة" (2/175-178) ط. دار ابن القيم وابن عفان
تحقيق: علي الحلبي/مراجعة: بكر أبو زيد رحمه الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:
(1) الخفارة: الذمَّة. "لسان العرب" (خفر).
(2) وذلك يوم القيامة؛ فيخفف عن ظالمه بسببها.
(3) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من سأل الناس أموالهم تكثُّراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر" رواه مسلم.
(4) والجزاء من جنس العمل ظلماً بظلم وبغياً ببغي.
(5) تمكين كوني لا شرعي، فتنبه.
(6) قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "[عن] الأصمعي عن أبيه قال: كان شيخ يدور على المجالس ويقول من سره أن تدوم له العافية فليتق الله -عز وجل-. فمتى رأيت -وفقك الله- تكديراً في حال فتذكر ذنباً قد وقع، فقد قال الفضيل بن عياض: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي. وقال أبو سليمان الداراني: من صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه، ومن أحسن في ليله كوفىء في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله. وقد روينا عن بعض الصالحين أنه انقطع شسع نعله في عدوه إلى الجمعة، فقال: إنما انقطع لأني لم أغتسل للجمعة". "ذم الهوى" (1/185).
(7) أي: يخلطه بالماء.
(8) خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقي
واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
(9) وكم رأينا ونرى عندنا وعند الورى، وإذا عشنا فسنرى!
(10) هَبْ أيها المسلم الثائر! أن ظلم الحاكم -وحده- منعك رغيف الخبز، وببغيه -فقط- غلا ثمنه عليك، فما الذي منع نزول الغيث من السماء؟!
(11) نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى، ومن الغواية بعد الرشد.
(12) كما قال -تعالى-: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}.
(13) فلا يغترَّن ظالم بقوَّته، ولا جبَّار بجبروته، فالله أقدر عليه منه على غيره.
(14) قال الطرطوشي -رحمه الله-: "لم أزل أسمع الناس يقولون: "أعمالكم عمالكم، كما تكونوا يولى عليكم" إلى أن ظفرت به في قوله -تعالى-: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}". "سراج الملوك" (ص:101).
(15) جاء في "تذكرة الموضوعات" (1/182) للفتني: "إن الله -تعالى- يقول: أنتقم ممن أبغض بمن أبغض، ثُمَّ أصيِّر كلاً إلى النار. ومثله: "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً..." الآية، وقرأت بخط شيخنا: لا أستحضر هذا الحديث، ومعناه دائر على الألسنة، وسبقه الزركشي فقال: لم أجده. "كما تكونوا يولى عليكم أو يؤمر عليكم"، في سنده انقطاع ووضاع هو يحيى بن هاشم، وله طريق فيه مجاهيل، وعند الطبراني في معناه من طريق عمر وكعب والحسن "الناس بزمانهم أشبه منهم آبائهم" من قول عمر -رضي الله عنه-: "الناس على دين ملوكهم" لا أعرفه حديثاً وهو قريب مما قبله، ويتأيد بما للطبراني مرفوعاً: " إن لكل زمان ملكاً يبعثه الله على نحو قلوب أهله فإذا أراد إصلاحهم بعث إليهم مصلحاً وإذا أراد هلكتهم بعث فيهم مترفيهم".اهـ
قلت: وهذا الحديث المذكور: "كما تكونوا يولى عليكم" وإن كان صحيح المعنى في الأعم الأغلب، إلا أنه ضعيف الإسناد لا يصح رفعه إلى نبي الأمة -عليه الصلاة والسلام-، وانظر لبيان ضعفه: "كشف الخفاء" للعجلوني (2/1997)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (624)، و"تذكرة الموضوعات" للفتني (182)، وضعفه الألباني في "السلسة الضعيفة" (1/490)، و"ضعيف الجامع" (4275).
(16) كان يقال: ما أنكرت من زمانك فإنما أفسده عليك عملك.
وقال عبد الملك بن مروان: ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدونا منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم سيرة رعية أبي بكر وعمر.
(17) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فتنة كل زمان بحسب رجاله، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وفتن ما بعد ذلك الزمان بحسب أهله، وقد رُوي أنه قال: "كما تكونوا يولى عليكم"، وفي أثر آخر يقول الله -تعالى-: "أنا الله -عز وجل- ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، من أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسب الملوك وأطيعوني أعطف قلوبهم عليكم".
ولما انهزم المسلمون يوم أحد -هزمهم الكفار- قال الله -تعالى-: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم}، والذنوب ترفع عقوبتها بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة".اهـ "منهاج السنة النبوية" (4/328).
(18) قال العجلوني: "عن الحسن أنه سمع رجلاً يدعو على الحجاج، فقال: "لا تفعل، إنكم من أنفسكم أتيتم، إنا نخاف إن عزل الحجاج أو مات أن يتولى عليكم القردة والخنازير"، فقد روي أن: "أعمالكم عمالكم"، و"كما تكونوا يولى عليكم"، وفي فتاوى ابن حجر: "وقال النجم: روى ابن أبي شيبة عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله -تعالى-: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً}، ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم؛ إذا فسد الناس أمّر عليهم شرارهم، وروى البيهقي عن كعب قال: إن لكل زمان ملكاً يبعثه الله على نحو قلوب أهله، فإذا أراد صلاحهم بعث عليهم مصلحاً، وإذا أراد هلاكهم بعث عليهم مترفيهم. وله عن الحسن: أن بني إسرائيل سألوا موسى عليه الصلاة والسلام، قالوا: سل لنا ربك يبين لنا علم رضاه عنا وعلم سخطه؟ فسأله، فقال: أنبئهم أن رضائي عنهم أن أستعمل عليهم خيارهم، وإن سخطي عليهم أن أستعمل عليهم شرارهم". "كشف الخفاء" (2/127).
(19) قال المناوي -رحمه الله-: "إذا صلح الناس وبروا وليهم الأخيار، وإذا فسدوا وفجروا وليهم الأشرار". "فيض القدير" (3/246).
(20) هذا في زمان العلامة ابن القيم -رحمه الله- المتوفى (751هـ) فكيف بزماننا؟!
(21) قال شيخنا ابن عثيمين -رحمه الله-: "ذكروا أن رجلاً من الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب جاء إلى علي فقال له: يا علي! ما بال الناس قد تغيروا عليك ولم يتغيروا على أبي بكر وعمر؟
قال: لأن رجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، ورجالي أنت وأمثالك". "شرح رياض الصالحين" (1/220).

ما حكم مشاهدة مسلسل "يوسف الصدِّيق"؟



السؤال : هناك مسلسل عن نبي الله يوسف عليه السلام وحياته ، أرجو بيان الحكم الشرعي في هذا الأمر.

الجواب:



الحمد لله

أنتج الرافضة مسلسلاً يحكي قصة يوسف عليه السلام وما جرى له في صغره وشبابه وكهولته ، ولم يكفهم ما في دينهم من تحريف وكذب حتى جعلوا ذلك فيما أظهروه من حياة يوسف عليه السلام وزمانه ، فجعلوا حياة يوسف في زمن الفراعنة وليس الأمر كذلك ، وجعلوا الفراعنة موحدين وليس الأمر كذلك ، وحرَّفوا النص القرآني فجعلوا إخوة يوسف هم الذين باعوا أخاهم يوسف وليس الأمر كذلك ، وسوَّقوا لمبدأ الولاية ! من خلال ذلك المسلسل ، في أشياء أخرى كثيرة تدل على خبثهم ومكرهم .



وتمثيل شخصية نبي أو صحابي ، أمر منكر ، وفيه مخالفات ومفاسد كثيرة ، وها نحن نرى الآن مفسدة عظيمة وهي تعلق المشاهد بشخصية الممثل ، والخلط بين ذلك وبين المحبة الشرعية للنبي ، وما ذاك إلا بسبب حركات وكلمات ذلك الممثل الذي تجرأ ليمثِّل دور ذلك النبي الجليل ، وبسبب ضعف الإيمان عند المشاهد ، حتى إنه ليتعرض للفتن بنفسه ويمشي إليها برجليه .



سئل علماء اللجنة الدائمة عن:

حكم تمثيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصحابة والتابعين رضي الله عنهم ؟ وعن تمثيل الأنبياء وأتباعهم من جانب ، والكفار من جانب آخر؟.



فأجابوا:

أولاً: إن المشاهد في التمثيليات التي تقام ، والمعهود فيها : طابع اللهو ، وزخرفة القول ، والتصنع في الحركات ، ونحو ذلك مما يلفت النظر ، ويستميل نفوس الحاضرين ، ويستولي على مشاعرهم ، ولو أدى ذلك إلى لي في كلام من يمثله ، أو تحريف له ، أو زيادة فيه ، وهذا مما لا يليق في نفسه ، فضلا عن أنه يقع تمثيلا من شخص ، أو جماعة للأنبياء وصحابتهم وأتباعهم فيما يصدر عنهم من أقوال في الدعوة والبلاغ ، وما يقومون به من عبادة وجهاد أداء للواجب ونصرة للإسلام .



ثانياً : إن الذين يشتغلون بالتمثيل يغلب عليهم عدم تحري الصدق ، وعدم التحلي بالأخلاق الإسلامية الفاضلة ، وفيهم جرأة على المجازفة ، وعدم مبالاة بالانزلاق إلى ما لا يليق ، ما دام في ذلك تحقيق لغرضه من استهواء الناس وكسب للمادة ومظهر نجاح في نظر السواد الأعظم من المتفرجين ، فإذا قاموا بتمثيل الصحابة ونحوهم أفضى ذلك إلى السخرية والاستهزاء بهم ، والنيل من كرامتهم ، والحط من قدرهم ، وقضى على مالهم من هيبة ووقار في نفوس المسلمين.



ثالثا: إذا قدِّر أن التمثيلية لجانبين ، جانب الكافرين كفرعون وأبي جهل ومن على شاكلتهما ، وجانب المؤمنين كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وأتباعهم : فإن من يمثِّل الكافرين سيقوم مقامهم ويتكلم بألسنتهم ، فينطق بكلمات الكفر ويوجه السباب والشتائم للأنبياء ويرميهم بالكذب والسحر والجنون ... إلخ ، ويسفه أحلام الأنبياء وأتباعهم ويبهتهم بكل ما تسوله له نفسه من الشر والبهتان ، مما جرى من فرعون وأبي جهل وأضرابهما مع الأنبياء وأتباعهم ، لا على وجه الحكاية عنهم ، بل على وجه النطق بما نطقوا به من الكفر والضلال ، هذا إذا لم يزيدوا من عند أنفسهم ما يكسب الموقف بشاعة ، ويزيده نكراً وبهتاناً ، وإلا كانت جريمة التمثيل أشد ، وبلاؤها أعظم وذلك مما يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه من الكفر وفساد المجتمع ونقيصة الأنبياء والصالحين .



رابعاً : دعوى أن هذا العرض التمثيلي لما جرى بين المسلمين والكافرين طريق من طرق البلاغ الناجح ، والدعوة المؤثرة ، والاعتبار بالتاريخ : دعوى يردها الواقع ، وعلى تقدير صحتها ، فشرها يطغى على خيرها ، ومفسدتها تربو على مصلحتها ، وما كان كذلك يجب منعه والقضاء على التفكير فيه.



خامساً : وسائل البلاغ والدعوة إلى الإسلام ونشره بين الناس كثيرة ، وقد رسمها الأنبياء لأممهم وآتت ثمارها يانعة ؛ نصرة للإسلام ، وعزة للمسلمين ، وقد أثبت ذلك واقع التاريخ فلنسلك ذلك الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ولنكتف بذلك عما هو إلى اللعب ، وإشباع الرغبة والهوى أقرب منه إلى الجد وعلو الهمة، ولله الأمر كله من قبل ومن بعد وهو أحكم الحاكمين.



الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

"فتاوى اللجنة الدائمة" (3/268-270).

وللأهمية ينظر قرار مجمع الفقه الإسلامي في حكم تمثيل الأنبياء والصحابة في جواب السؤال رقم (163107).

وينظر جواب السؤال رقم (125535) في حكم مشاهدة المسلسلات.



المصدر: موقع
الإسلام سؤال وجواب
www.islamqa.com/ar

تطرف السلفية والعودة بالبلد إلى الوراء



بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد،


فقد تردد هذا التعبير في الآونة الأخيرة وخصوصاً بعد أحداث الكنيسة، حيث سلطت وسائل الإعلام الضوء على بعض دعاة السلفية، وكأن الدنيا نامت نومة طويلة ثم استيقظت فجأة على وجودهم وخطرهم، حتى عبّر بعض الإعلاميين على أن السلفيين قد اكتسحوا نصف البلد، وتخوَّف البعضُ من أن تكون الحملة الإعلامية مقدِّمة لاعتقال قادة السلفيين، وتوطئة لانتهاء شهر العسل -كما يصفون- بين النظام والتيار السلفي ومحاولة لتوريطه في أحداث الكنيسة، أو دفعه لارتكاب صور من العنف والتحوُّل من السلمية والعلنية إلى عمل تنظيمي مسلح.


والعجيب في الأمر أن يتنادى كثير من الليبراليين والعلمانيين والديمقراطيين، الذين يقولون بالرأي والرأي الآخر، وبعضهم يعلن أنه على استعداد لأن يبذل روحه ثمناً لأن تقول رأيك، ولكنهم يقفون مع السلفيين موقفاً آخر؛ فتراهم يسْتَعْدون الدولة لقصف رقاب السلفيين وإبادتهم!! حتى لا يبقى لهم حس ولا خبر؛ وذلك لأنهم أخطر عند المثقفين والتنويريين والمبدعين من كل صور الكفر والباطل والضلال التي تعج بها الحياة، والتي وردت في الكتاب والسُنة موصوفةً بالإجرام؛ وبأنها السبب في دمار البلاد والعباد، ولعل الدافع لذلك هو العداء بين الكفر والإيمان والباطل والحق والسُنة والبدعة وبين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن.


وقد يكون السبب سحب البساط من تحت أقدام العلمانيين والشيوعيين، رغم تملكهم وسائل الإعلام وأدوات التوجيه، ومهما يكن من أمر فسيبقى الاتهام بتطرف السلفية والعودة بالبلد إلى الوراء يتطلب الوقوف مع كل كلمة؛ حتى نستبين مواضع الأقدام، ونعرف من المتطرف بحق، ومن الذي يدمر البلد، ولا يكتفي بإعادتها إلى الوراء؟ وننكف عن إرسال التهم على عواهنها.


ولذلك كانت هذه الوقفات:


أولاً: ما معنى التطرف والغلو؟ وما هو العدل والاعتدال؟ ومن الذي يُمسك بيده الميزان؟
مجاوزة الحد قد تكون إفراطاً أو تفريطاً، غلواً أو جفواً، والعدل أساس الملك وبه قامت السموات والأرض، قال -تعالى-: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8]، وقد أمر -سبحانه- بالعدل، ونهى عن الظلم حتى مع الكافر، والظلم ظلمات يوم القيامة؛ ولذلك حرمه -سبحانه- على نفسه، وجعله بين العباد محرماً فقال: "وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا" [رواه مسلم]


- وقد شاع استخدام مصطلح التطرف، وصار يُطلق على الملتحي والمنقبة والمحجبة، وعلى من يطالب بالرجوع للكتاب والسُنة، وتطبيق شرع الله، ويرفض الرقص والاختلاط ومصافحة النساء الأجنبيات!! وترى المتبرجة تتهم المحجبة بالتطرف!! والعلماني والليبرالي والديمقراطي والشيوعي كلهم يتهم من يطالب بتطبيق شرع الله بالتطرف!! والأمريكان يتهمون المسلمين بالتطرف، وربما استخدموا المترادفات مثل الأصوليين والظلاميين والرجعيين والمتخلفين والإرهابيين!!


وهكذا صار الحبل على الغارب، وصار القاضي جَلاَّداً، وصارت هذه المصطلحات في قمة الابتذال، وإلا فهل من انطمست بصيرته، وسفهت نفسه، وضل عقله، وأظلم قلبه يصلح لأن يكون مقياساً وميزاناً؟! فالحق والنور والهُدى يُعرف من خلال الرجوع لكتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]، وقال -جل وعلا-: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ" [رواه مسلم].


- وتبعاً لهذا الميزان فإن الذي يوصف بالتطرف الحليق لا الملتحي، والمتبرجة لا المنقبة، والليبرالي والديمقراطي والعلماني لا الذي يطالب بتطبيق شرع الله، والأمريكاني واليهودي والنصراني لا المسلم، لا أدرى لماذا أتذكر دائماً ما يفعله الصغار إذا شتمهم أحد فإنهم يسارعون بالقول: «من يَشتِم يَشتم نفسَه، ومن يَسُب يَسبُ نفسه»، {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [يونس:23].


- فالحق مقبول من كل من جاء به، والباطل مردود على صاحبه كائناً من كان، والحق ما وافق الكتاب والسُنة. وهذا قمة الاعتدال والاتزان، وهو حرىٌ بإمساك الميزان لضبط الأقوال والأفعال، لا العاصي الفاجر أو الملحد الزنديق.


ثانياً: السلف هم الصحابة، ومن تابعهم بإحسان من سائر قرون الخيرية وأئمة الدين العدول، والسلفيون من تابعوهم على هذا الفهم إلى يومنا هذا من أهل السُنة والجماعة، {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]، قال ابن عباس: «تبيض وجوه أهل السُنة والجماعة، وتسوَدُّ وجوه أهل البدعة والفُرقة».


وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف وما لم يكن يومئذ ديناً فليس اليومَ ديناً، ولن يصلح آخرُ هذه الأمة إلا بما صلح به أوَّلُها. وهذا هو مقياسنا لفهم الكتاب والسُنة.


فالضابط عندنا ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، والصحابة الكرام -رضي الله عنهم أجمعين-؛ فهُم عن عِلْمٍ وقفوا، وببصرٍ نافذٍ كَفُّوا، وقد كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقّها علماً، وأقلَّها تكلفاً.
فلا تصلح الصوفية، ولا الشيعة، ولا الخوارج، ولا المعتزلة، فضلاً عن اليهود والأمريكان، والعلمانيين، والشيوعيين، ميزاناً ومقياساً، ولا ضابطاً للأقوال والأفعال.


- ونحن لا نفاصل ولا نساوم على هذا المنهج الإيماني؛ فقد وصفهم -سبحانه- بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [متفق عليه].


والقواعد التي كانوا عليها معصومة بعصمة الكتاب والسُنة، أما هم فلم يكونوا معصومين -رضوان الله عليهم أجمعين-، قال -تعالى-: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة:100].


ثالثاً: من سمات المنهج السلفي التقدم لا الرجوع إلى الوراء، وذلك فيما يقبل التقدم والتحضر والتطور.
فلا مانع عندنا من صنع الصاروخ، وركوب الطائرة، وامتلاك السلاح النووي. والعلومُ النافعةُ كالزراعة والصناعة والهندسة والطب تؤخذ مِن كل مَنْ أفلح فيها، أما علوم الهداية فلا تؤخذ إلا من الكتاب والسُنة، ولذلك فنحن نفرق جيداً بين العبادات والمعاملات؛ فالعبادات الأصل فيها التوقيف والحظر، أما المعاملات فالأصل فيها الإباحة إذا روعيت ضوابطها الكلية.


نريد إقامة حضارة على منهاج النبوة، وعلى أساس تعبيد الدنيا بدين الله، قال -تعالى-: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9]، أي للتي هي أَسَدُّ وأعْدَل، وقال -سبحانه-: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة:63]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ" [رواه مسلم]، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ" [رواه أحمد، وصححه الألباني].


القرن الحادي والعشرون لا يمنع من تطبيق شرع الله، والتطوُّرُ والتحضرُ لا يعني الاستهزاء باللحية والنقاب، ومواجهة الأزمات والمشكلات لا تعني تطبيقَ الديمقراطية والانسلاخَ من دين الله.


لقد عاشت الأمة أزهى عصورها في ظلال الشريعة، ثم لما تنكَّبتْ الصراطَ صارت كاليتيم على موائد اللئام، وصار البعض حرباً على إسلامه ودينه؛ يريد دولة مدنية تحتكم لآراء البشر وترفض حكمَ خالق البشر، ويستورد ديمقراطية يونانية ظلامية رجعية متخلفة بدلاً من العمل بإسلامه الذي رضيه لنا ربُّنا ديناً.


طائفة من جلدتنا وتتكلم بلساننا صارت كالببغاوات تقلد الغرب تارة، والشرق تارة أخرى، وتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، يصدق عليها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ" [متفق عليه]، والحديث من دلائل نبوته -صلوات الله وسلامه عليه-.


رابعاً: الحضارة التي يعيشها الغرب هي حضارة القلق، والبشرية اليوم مازالت أشبه بأطفال يلعبون بساحل البحر وهم يجهلون أعماقه، ونحن قوم لا نقبل تخييل الأعداء، ولا استيراد البضائع الفاسدة المتخلفة كالديمقراطية والليبرالية والعلمانية.


- فماضينا هو أفضل عصورنا، وهو لا ينفصل عن حاضرنا ومستقبلنا، وهذه هي الأصالة التي لا تنفصل عن المعاصرة، والثبات على المبدأ، فلسان الحال والمقال ينطق «رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبياً».


وليس في واقع الأفراد والأمم والجماعات المنسلخة عن الإسلام -قديماً وحديثاً- ما يُبْهِر، فقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب انتقلوا إلى الله غير مأسوف عليهم، رغم أنهم شيدوا المصانع، وأقاموا الحصون، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً، قال -تعالى-: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت:40]، وقال -جل وعلا-: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِين} [القصص:58]، وقال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102]، وقال -سبحانه-: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16].


وفرعون وقارون وهامان، بُسِط لهم في الجاه والسلطان، فما أغنى عنهم جُمْعُهم وما كانوا يكسبون، فقد غرق فرعون الذي كان يدعي أن الأنهار تجري من تحته فأجراها ربنا من فوق رأسه، ومات يوم مات وهو يقول: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:90]، فقيل له: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس:91، 92]، وقال -سبحانه- بشأن قارون: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص:81].


وإذا انتبهت إلى الغرب والأمريكان فستجد التلويح بحرب صليبية جديدة، واتهام الإسلام بالإرهابية، وشن الحروب على المسلمين في أفغانستان والعراق وفلسطين؛ انتهاك أعراض، وقتل للشيوخ الرُكع، والأطفال الرُضع، وفرْضٌ للديمقراطية اللواطية، والحريات العفنة. فهل هذا هو التطور الذي ننشده؟!


ومتى كان الرقص والغناء والاختلاط والعُرى والخلاعة وارتداء البدلة عنواناً لتقدم الشعوب ؟!


يا قوم: ما تقدم من تقدم إلا بطاعة الله، وما تأخر من تأخر إلا بمعصية الله، ما قيمة أن نكسب الدنيا ونخسر الآخرة، وما قيمة أن نرضي الغرب بسخط خالق الأرض والسموات؟!


إن المعصية هي لذة ساعة وألم دهر، ومن السفه أن يبيع الإنسانُ دينَه بدنيا لا بقاء لها ولا وفاء، وأشد سفهاً من يبيع دينه بدنيا غيره.


نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ::: فلا ديننا يبقى ولا ما نرقعه
فطوبى لعبد آثر الله ربه ::: وجاد بدنياه لما يتوقعه


{يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر:39]، {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف:31]، واستقيموا يرحمكم الله، {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان:33].
وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.


المصدر: موقع الشيخ سعيد عبد العظيم
www.al-fath.net




جميع الحقوق محفوظة Ⓒ لـ موقع بصائر 2014

تصميم: Modawenon-Team - تعديل وتركيب: مصطفى الونسافي